القاضي النعمان المغربي

276

المناقب والمثالب

فنادى في الناس فخرج إلى المسجد فرقى المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه وصلى على النبي صلّى اللّه عليه وآله ثم قال : « أيها الناس إنه انتهى إليّ أن معاوية بلغه ما نريده من حربه فبرز بجمعه لذلك وأعدّ له فما أنتم قائلون ؟ وما أنتم صانعون ؟ » فقام رجل فقال : يا أمير المؤمنين الرأي في ذلك كذا ، وقام آخر فقال كلاما غير ذلك ، وقام آخر وآخر ، حتى قام خلق كثير واعتكر الكلام وكثر الرأي واختلف القول ، ونزل علي عليه السّلام وهو يقول : « إنّا للّه وإنّا إليه راجعون أفلتني ابن آكلة الأكباد ، وفي طاعة الجند عون للوالي وصلاح للحال » . ومن ذلك : أن عليا عليه السّلام لم يكن يداري أحدا في الحق ، ولا يرخّص له في الحق ، ولا يغضّ له عن واجب يجب عليه ، ولا يرخّص له في شيء من الباطل يأتيه ، ولا يؤثر أحدا على أحد ولا يفضّله عليه ، وعزل عمّال عثمان وانتزع منهم الأموال وردّ قطائعه وما استأثر به ، وقسم بالسوية ، وعدل بين الناس ، وكان ذلك سبب نكث من نكث عليه ومحاربة أصحاب الجمل إيّاه ، وقعود من قعد عن نصرته ، وتخلف عن الخروج معه في حروبه ، والحق ثقيل إلّا على من خفّفه اللّه عليه . وكان علي عليه السّلام إذا نقم على أحد شيئا لم يداهنه وكاشفه فيه وعنّفه عليه وأغلظ القول له ، حتى أن الحسن عليه السّلام كان إذا سمع ذلك منه لمن يخاف أن يؤثر فيه من وجوه الناس ومن رؤساء العشائر ، جلس له حتى يخرج من عنده فيأخذ بيده ويدخله إليه ويخلو به ويتلطف له ، ليسل سخيمته ويذهب ما في نفسه ممّا أسمعه عليّ فيه ، إيثارا لأمر اللّه وقياما بحقه وتركا لابتغاء النصر إلّا من حيث أمر اللّه به ، إذ هو أعلم تبارك وتعالى بخلقه وما يصلحهم من أمره . وكان معاوية على خلاف ذلك ، يسترضي من سخط عليه ، ويبذل الدنيا لمن سأل منه ، ودينه لمن سامه إياه ، ويغضي على الباطل لأتباعه ، ويداهن في الحق لأشياعه ، ويحلم له إذا نالوا منه ، فمال ميلة من آثر الدنيا وقصد قصده ، ورفض الآخرة وأطرحها ، ونزع إليه من رؤساء القبائل ووجوه العشائر ورجال العرب من مصر واليمن